ملاحظات حول كتاب: "من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة

نشره socio-prison يوم سبت, 2008-01-12 12:59.

ملاحظات حول كتاب: "من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة

أين يعيش صاحب الكتاب 

بقلم سامي نصر

    صدر في الفترة الأخيرة وبمناسبة الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة للسيد زهير المظفّر كتابا سياسيّا تاريخيّا اختار له عنوانا "من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة (التجربة التونسيّة)" وكما كان متوقّعا رافق صدور هذا الكتاب حملة دعائيّة في بعض الصحف اليوميّة بما فيها تلك الصحف التي لا يدخل مجال الكتاب والكتّاب ضمن اهتماماتها. كما حظي الكتاب بتقديم مطوّل للسيد الوزير المستشار الأوّل لدى رئيس الجمهوريّة السيد عبد العزيز بن ضياء. وبذلك لا يكون الكتاب مجرّد إصدار من إصدارات السيد المظفّر بل يندرج ضمن سلسلة الحملات الدعائيّة التي يقوم بها الحزب الحاكم منذ الانتهاء من الاستفتاء... ورغم أنّنا في هذا المقال سوف لن نتعرّض لكل محتويات الكتاب ولكن سوف نحاول التركيز على أهم ما ورد فيه وأهم ما تضمّنه تقديم الكتاب الذي ركّزت عليه الصحف التونسيّة.إنّ الفكرة الأساسيّة التي يتضمّنها  عنوان الكتاب هو أنّ البلاد التونسيّة مرّت بمرحلتين مختلفتين، مرحلة هيمنة الحزب الواحد ثم تلتها مرحلة هيمنة حزب الأغلبيّة، أي مرّت من المرحلة الهيمنة اللاشرعيّة إلى مرحلة الهيمنة الشرعيّة. وما يفصل المرحلتين حسب صاحب الكتاب هو القاعدة الشعبيّة ومسألة الأغلبيّة، أو بلغة أخرى مرّت البلاد من دكتاتوريّة الحزب الواحد إلى دكتاتوريّة الأغلبيّة. ولكن السؤال الذي نطرحه على السيد زهير المظفر هو: كيف يمكن أن تخرج الشرعيّة من رحم اللاشرعيّة؟ وكيف يمكن للدكتاتوريّة الحزبيّة أن تخلق إرادة شعبيّة مساندة لهذا الحزب وهذه الدكترة؟؟؟هذا السؤال وغيره يمكن أن يجيبنا عليه  عالم الإجتماع الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu وذلك من خلال استعماله لبعض المصطلحات السوسيولوجيّة مثل السوق السياسيّة والأهليّة السياسيّة والهابيتوس

.السوق السياسيّة والأهليّة السياسيّة:تحدّث بيار بورديو عن السوق السياسيّة والأهليّة السياسيّة عند تناوله لمسألة حقل الانتاج الإيديولوجي الذي يتميّز بعلاقات الصراع والتنافس ويخضع لقانون العرض والطلب شأنه شأن السوق الاقتصاديّة. لذلك نلاحظ أن كل مناسبة سياسيّة تحتاج إلى جملة من الأفكار والآراء والتصريحات التي تتماشى مع تلك المناسبة ولامتلاك القدرة الفعليّة على الدخول إلى هذه السوق يحتاج الفرد أو المجموعة إلى رأسمال قوي يخوّل لها خوض المنافسة والصراع ولكن السوق السياسيّة تحتاج إضافة إلى الرأسمال المادي نوعيّة أخرى من الرأسمال مثل الرأسمال الرمزي أي الشرعيّة والرأسمال الثقافي والمتمثّل في استقطاب النخب الثقافيّة والفكريّة وتوظيفها، ويعرّف بيار بورديو الرأسمال بكونه كل طاقة قابلة أن تكون مستخدمة (بشكل واع أو لا واع) أداة في عمليّة التنافس الاجتماعي... أمّا المتحكّم الرئيس في السوق السياسيّة حسب بيار بورديو فهي الأهليّة السياسيّة ويقول في هذا الإطار بأن هناك متكلّم معترف بكلامه ومتكلّم غير معترف بكلامه، بحيث يعطي الطرف المهيمن لنفسه حق تمثيل الطرف الآخر، وإقصائه من الحقل السياسي. وهذا ما يفسّر انتقال الحزب الحاكم في تونس وفي غيرها من الدول من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة، أو كيف يمكن أن تولد الشرعيّة من رحم اللاشرعيّة أو الدكتاتوريّة... وتتوضح هذه النقطة أكثر مع بيار بورديو حين يتناول مسألة المبرّرات الكامنة وراء الأهليّة السياسيّة/ عدم الأهليّة السياسيّة. إذ يرجع ذلك إلى عدم التكافؤ بين المواطنين والتفاوت بينهم في نمط العيش وظروفهم الاجتماعيّة حيث يقول بأن استعدادات ومؤهلات وقدرات المواطنين تسيطر عليها علاقة اللاتكافؤ فظروف المواطنين العاديين لا تسمح لهم بتملّك الأهليّة السياسيّة والرأسمال الذي يخوّل لهم امتلاك هذه الأهليّة، في حين أن ظروف الفاعلين الاجتماعيّين لا سيما الذين هم في موقع السلطة تسمح لهم بذلك وتسمح لهم بإقصاء الآخرين... وبسبب علاقة عدم التكافؤ هذه بين المواطنين والفاعلين الاجتماعيين فإنّهم يعترفون لهؤلاء المهيمنين بالشرعيّة التي ينادون بها في خطاباتهم وتصريحاتهم والتي تسمح لهم الاستمرار في المسؤوليّة السياسيّة.إذن فعمليّة انتقال الحزب الحاكم من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة حسب بيار بورديـو لا تمثّل -كما ذهب صاحب الكتاب ومقدّمه- نقلة نوعيّة فريدة وسابقة تاريخيّة سجّلها الحزب الحاكم التونسي بل هي نتيجة حتميّة للعديد من المعطيات الموضوعيّة وميكانيزمات اشتغال المجتمع وانفراد الحزب الحاكم بالقرارات وإقصاء بقيّة أفراد المجتمع.أمّا المصطلح الثالث الذي يمكن أن يجيبنا به بياربورديو عن سبب انتقال الجزب الحاكم من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة فيتمثل في مصطلح "الهابيتوس" الذي يعرّفه بكونه "نسق الاستعدادات المكتسبة، وهو في نفس الوقت منتج الممارسات وأصل الإدراكات وعمليات التقويم والأعمال" ويقول أيضا بكونه القواعد المولّدة للممارسات. ويبسّطه أكثر فيقول بأنّه عمليّة استبطان من قبل الفرد لكل ما هو خارجي. بمعنى آخر تصبح الفئات المسيطر عليها تتقبل وضعيتها وتصبح نتيجة تلك العوامل تقر بأهليّة وأحقية المهيمن وتصبح متقبّلة ذلك الإقصاء وتلك الهيمنة، كما تصبح تقر بضعفها، فعبر الممارسة اليوميّة لأصحاب القرار والنفوذ وعبر استغلالهم واحتكارهم لكل أجهزة الدولة تزداد المساحة الفاصلة بين عامة الناس والفئة القريبة من السلطة، لأجل ذلك لا غرابة في تحوّل الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة ما دامت تستولي على كل وسائل الإعلام وما دامت تمتلك الرأسمال الرمزي والثقافي والمادي، وما دامت تمتلك "الشرعيّة".

إلغاء أعضاء الحزب من أجل ابراز الشخصيّة الكاريزميّة للرئيس:

لقد ركّز صاحب الكتاب وكذلك مقدّمه على الدور الذي لعبه رئيس الدولة التونسيّة الحالي منذ "تحوّل السابع من نوفمبر والتغييرات التي أجراها على هيكلة الحزب وارتقى به من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة... فجدّد خطابه وعصّر أساليب عمله وأعاد إليه دوره الطلائعي بما انعكس إيجابيّا على الحياة السياسيّة في البلاد... » (حسب مقدّم الكتاب) وبذلك يكون صاحب الكتاب قد ألغى صراحة دور الأجيال المتعاقبة داخل هذا الحزب وطبعا زكى مقدّم الكتاب هذا التوجّه التحليلي الذي جعل من الكتاب أقرب ما يكون إلى ومضة إشهاريّة للانتخابات المقبلة على غرار الومضات والشعارات واللافتات المنشورة في الفضاءات العامة وفي الصحف التونسيّة، وبالتالي ليس كما قال  مقدّم الكتاب ونقله حرفيّا السيد ن.ع في جريدة الشروق و السيّد محسن الزغلامي من جريدة الصباح "دراسة تحليليّة جادة لفهم التحوّلات العميقة للحزب الدستوري التونسي...".ويمكن أن تتضح هذه الفكرة إذا رجعنا إلى عالم الإجتماع الفرنسي ميشال كروزيه M. Crozier وخاصة في كتابه "البيروقراطيّة" الذي قدّم فيه شكل التنظيم البيروقراطي، ولخّصه فيما يلي: -       بناء رأسي للسلطة ونطاق محدد للمسؤولية-   مركزية القرار: عدم مشاركة بقية الأعضاء وفي أخذ القرارات المناسبة...-       انعزال كل فئة في الهرم التنظيمي

قضيّة فصل الدولة عن الحزب:

تعتبر مسألة فصل الدولة عن الحزب من أهم الأهداف التي رسمتها الأنظمة الديمقراطيّة في العالم، ومن أجل تحقيق ذلك خلقت العديد من الأجهزة والآليات العمليّة، وتجنّدت العديد من القوى الوطنيّة ومكوّنات المجتمع المدني في بعض الدول الغربيّة لضمان لرسم خطوط فاصلة بين الدولة والحزب لمنع أي شكل من أشكال الهيمنة الحزبيّة على الدولة أو تسخير أجهزة الدولة لصالح حزب معيّن... كما حاولت تلك القوى إعلاء مقولة المواطنة على حساب مقولة الدولة، لكن التمعّن في سياسات أكثر الدول تقدّما تجعلنا نلاحظ إن مسألة فصل الدولة عن الحزب لا تتجاوز الأحلام أو ما يعبّر عنه ماكس فيبر بالنموذج المثالي... وما تدخل أصحاب رؤوس الأموال في الحملات الانتخابيّة وتزكيّة حزب معيّة والوقوف إلى جانب مرشّح محدّد إلا دليل على هذا الترابط بين الاقتصادي والسياسي فوصول حزب معيّن إلى السلطة يعني امتلاكها وتوظيفها لصالح فئة معيّنة لذلك لا تختلف كثيرا المنافسات الانتخابيّة على المنافسات الاقتصاديّة... هذا بالنسبة إلى الدول المتقدّمة التي تؤمن بالديمقراطيّة وتتمتّع بأجهزة ومؤسسات كبيةر قادرة على تحقيق العديد من المكاسب للمواطنين فما بالنا بالدول التي تتخذ من النظام الديمقراطي ستارا لتداري به هيمنة حزب معيّن أو فئة معيّنة؟؟؟

مصادر قوّة الحزب الحاكم:

أمّا النقطة الأخيرة التي نودّ أن نعرّج عليها ولو بإيجاز ضمن تعليقنا على الكتاب فتتمثل في مصادر قوّة الحزب الحاكم والتي لخّصها صاحب الكتاب ومقدّمه في ثلاث نقاط وهي قوّة المعارضة التونسيّة وقوّة المنافسة وتمتّع المجتمع التونسي بالحريّة. فأوّل سؤال يتبادر للذهن عند قراءة الكتاب أو حتّى مجرّد النظر إلى الومضات الإشهاريّة الواردة في صحيفتي الشروق والصباح والمتعلّقة بالكتاب هو أين يعيش صاحب الكتاب ومقدّمه؟؟؟ فبالنسبة إلى المعارضة القويّة، عن أي معارضة يتحدّث؟ هل المعارضة التي ترشح معارضها؟ أم المعارضة التي لا تحمل من المعارضة سوى الاسم؟؟؟ فما يعانيه المجتمع التونسي ليس قوّة المعارضة بل ضعفها وتهميشها عن القضايا الأساسيّة بالبلاد وسهولة إقصاءها من كل المجالات الحيويّة... أمّا عن قوّة المنافسة التي تحدّث عنها صاحب الكتاب فإنّ الواقع السياسي بالبلاد يكذّب ذلك كما أنّنا نتساءل عن أي منافسة يتحدّث صاحب الكتاب؟؟؟ هل المنافسة بل الصراعات داخل تلك الأحزاب والانشقاقات في داخلها أم منافسة الحزب الحاكم؟؟؟ فالنوع الأوّل من المنافسة موجود وبشكل قوي ولكنّه عامل من عوامل ضعف المعارضة لا قوّتها، أمّا النوع الثاني من المنافسة أي منافسة الحزب الحاكم فهذا لا نلمس له أي أثر في الواقع السياسي وكنّا نتمنّى لو يقدّم لنا صاحب الكتاب أو مقدّمه أمثلة حيّة عن ذلك... كما تحدّث صاحب الكتاب عن المصدر الثالث لقوّة الحزب الحاكم وحدّده في تمتّع المجتمع التونسي بالحريّة، وللردّ على ذلك يمكن الاقتصار فقط على حريّة الإعلام أو على بعض التشريعات الصادرة مؤخّرا عن "مجلس النوّاب" مثل قانون مكافحة الإرهاب، وقانون حماية المعطيات الشخصيّة، وقانون الهجرة السريّة و... لأجل ذلك نقول إنّ الحجج التي قدّمها صاحب الكتاب واستدلّ بها على قوّة الحزب الحاكم تؤدّي إلى النتيجة العكسيّة لأنّه لا توجد معارضة قويّة بالبلاد ولا تمتلك أي جهة سياسيّة قدرة تنافسيّة تخوّل لها الوقوف في وجه السلطة الماسكة بكل أجهزة الدولة، كما أنّ المجتمع التونسي لايتمتّع  بحريّته عكس ما ذكره صاحب الكتاب.http://www.kalimatunisie.com/html/num28/Hizb.htm


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

وسومات ملاحظات حول كتاب: "من الحزب الواحد إلى حزب الأغلبيّة