اسم المستخدمالموجودون عالخط
يوجد حاليا 0 users و 0 guests عالخط.
الأعضاء الجدد |
إصلاح السجين أم إصلاح السجّان؟ !Submitted by socio-prison on جمع, 2006-11-10 10:29
إصلاح السجين أم إصلاح السجّان؟ !
بقلم سامي نصرمثلت علاقة السجن بالإصلاح والتأهيل إحدى أهم المواضيع التي تناولها المفكرون والمهتمون بالقضيّة السجنيّة منذ أواخر القرن السادس عشر، وتضمّنتها العديد من الدراسات والأبحاث سواء أكانت في علم العقاب أو علم الإجرام أو علم الاجتماع الإجرامي أو علم النفس الجنائي... أو سوسيولوجيا السجون (هذا التخصص الحديث الميلاد في ميدان العلوم الإنسانيّة والاجتماعية). وعرفت مؤسسة السجن منذ ذلك التاريخ العديد من الأنظمة السجنيّة المتعاقبة والمتزامنة في نفس الوقت، وطبّقت فيها الكثير من السياسات العقابيّة. ولكن رغم الحركيّة التي شهدها الفكر السجني، تشير المعدّلات الإحصائيّة لنسب الإجرام في العالم وانتشار ظاهرة العود وتفاقمها في السنوات الأخيرة... إلى فشل هذه المؤسسة رغم عراقتها. إذ لم تتمكن من أن تكون عقوبة رادعة للخارجين على القانون ولا أن تكون عقوبة إصلاحيّة أو تأهيليّة، بل تحوّلت إلى مدرسة لتكوين المحترفين وفضاء لإشباع رغباتهم وممارسة ما حرموا منه خارج السجن. لأجل ذلك، فإنّ إعادة طرح إشكاليّة العلاقة بين السجن والإصلاح أصبح أكثر مشروعيّة وأكثر حساسيّة لأنّ إعادة طرح الموضوع يتطلب حتما توجيه أصابع الاتهام إلى كل المؤسسات الاجتماعيّة الأخرى من قضاء وإعلام وتشريع و... كما بقي موضوع السجون يندرج ضمن المحرّمات والممنوعات.ومن بين الأسئلة التي نطرحها وسنحاول الإجابة عنها أو على الأقل الاقتراب منها هي: كيف نشأت فكرة الإصلاح ؟ وما هي الأسس التنظيريّة التي بنيت عليها الأنظمة السجنيّة؟ وما مدى مشروعيّة هذه الأنظمة السجنيّة في تحقيق الهدف الإصلاحي والتأهيلي؟ وأيهما المستهدف من الإصلاح والتأهيل السجين أم السجّان؟ وهل التوجه نحو القطاع الخاص من شأنه أن ينقذ المؤسسة السجنيّة ؟ قراءة في بيبلوغرافيا السجون:قبل التطرّق إلى المسألة الإصلاحيّة والتأهيليّة للمؤسسة السجنيّة رأينا من الضروري تناول بيبلوغرافيا السجون أي المراجع التي تحدّثت عن القضايا السجنيّة والتي تنقسم من حيث نوعيّة الكتابة إلى خمسة أصناف على الأقل:أوّلا، المنشورات التي تصدرها الدولة: تتلخص المنشورات التي تصدرها الدولة في: - الإحصائيات - الكتب - تصريحات رسميّة تبث عبر وسائل الإعلام-مقالات صحفيّة- مجلاّت حكوميّة- فعاليات الدورات والملتقيات.وباستثناء النوع الأوّل من المنشورات أي الإحصائيات (بالنسبة لأغلبيّة الدول) فإنّ بقيّة المصادر متاحة للباحثين والمهتمّين بالمسائل السجنيّة. كما أنّ محتواها يكاد يقتصر على الانجازات الحكوميّة والتشريعات القانونيّة، أو الرد على بعض منشورات الجهات التي لا تتفق مع رؤية الحكومة مثل المنظمات الحقوقيّة والأحزاب المعارضة. وتتميّز منشورات الدولة بتجنّب الحديث عن السجّان والتركيز على السجين، وبالتالي لا يرتبط مفهوم الإصلاح والتأهيل إلاّ بهذا الأخير (السجين) فهو الذي يحتاج حسب الرؤية الحكوميّة إلى إصلاح وتأهيل.ثانيا، منشورات المنظمات الغير الحكوميّة: والتي تتلخص في الآتي: - بيانات - تقارير- كتب- مجلاّت وصحف مستقلّة- مداخلات في بعض الملتقياتأمّا بالنسبة للمواضيع التي تتضمّنها فإنّ أغلبيتها تتحدث عن المساجين السياسيين هذا الصنف الذي يكاد يختفي في جل المنشورات الحكوميّة وبالتالي هناك نقص كبير في التطرّق إلى الفئات السجنيّة الأخرى والتي قد يكون حالها أسوء بكثير من حال المساجين السياسيين . كما تتميّز نوعية كتابتها بالطابع النقدي وتتناول بالخصوص الانتهاكات التي يتعرّض لها المساجين والمسائل القانونيّة إمّا بغرض الضغط على السلطة للإسراع بتغيير بعض القوانين السجنيّة أو احترام القوانين الموجودة بالبلاد. ولذلك يقصد بالإصلاح في أدبيات المنظمات الغير الحكوميّة القوانين السجنيّة ومعاملة الإدارة أي السجّان والقانون ونادرا ما تحتوي هذه الأدبيات عن تأهيل أو إصلاح المساجين. كما أنّ الهدف الرئيسي من كتابة هذه المنشورات هو خلق نوع من التوازن بين ما يمارس داخل السجون وما ورد المواثيق والاتفاقيات الدوليّة لحقوق الإنسان. كما تستمد شرعية كتاباتها من خلال رصد الحالات وجمع الشهادات. ثالثا، المنشورات الأكاديميّة والعلميّة: تتجسّد هذه النوعيّة من الكتابة هي الأخرى في:- الكتب- المجلات- الملتقيات الأكاديميّةفي الغالب لا تتحدّث هذه النوعيّة من الكتابة على السجين بشكل مباشر وصريح بل على الأنظمة السجنيّة والفعل الإجرامي، وعادة تتناوله من جانب موضوعي بحيث لا تتسم بالطابع النقدي كما هو الحال في أدبيات المنظمات الغير حكوميّة، كما لا تتسم بالطابع الدعائي كما هو الحال بالنسبة لأدبيات الحكومة. وما يلفت انتباهنا في المنشورات العلميّة هو تجنّب الحديث عن المساجين السياسيين. أمّا مفهوم الإصلاح والتأهيل فإنّه يقصد به عادة السجين والنظام السجني في الآن نفسه، وعادة ما تنطلق الأدبيات العلميّة من جداول إحصائيّة أو من دراسات ميدانيّة حتّى يتسنّى لها أن تكون ضمن الأبحاث والدراسات العلميّة. ورغم ندرتها مقارنة بالمجالات العلميّة الأخرى إلاّ أنّها ساهمت بصفة فعّالة في تطوير الأنظمة السجنيّة (كما سنرى ذلك لاحقا).رابعا، الكتابات الأدبيّة: تنحصر الكتابات الأدبيّة في الروايات والقصص التي تتحدّث عن الحياة السجنيّة وتتضمن عادة معانات السجين وممارسات الجلاّد، ورغم طابعها الأدبي وعدم تقيّد ها بالواقع الملموس لسجين معيّن ولسجن محدد في بلد محدّدة ولكن درجة نجاح الرواية أو القصة تتوقف على مدى معرفة الكاتب بالواقع السجني سواء من خلال تجربة شخصيّة عاشها أو من خلال جمع أكبر عدد ممكن من الروايات السجنيّة والأحاديث السجنيّة. ولعلّ أحسن مثالا على ذلك هو الكاتب صنع الله إبراهيم وروايته "شرف"... وشروط الكتابة الأدبيّة تمنعه من الحديث عن الإصلاح والتأهيل بشكل مباشر عكس ما رأيناه في نوعيّة الكتابات الأخرى...خامسا، المذكّرات الشخصيّة: أمّا النوع الخامس من الكتابة السجنيّة فتكمن في تلك المذكّرات الشخصيّة التي يحبّذ أصحابها في العادة عدم تناول القضيّة السجنيّة بصفة عامة ويركّزون على تجربتهم الخاصة. ولكن رغم ندرتها ورغم طابعها الشخصي إلاّ أنّها قادرة على إثراء الكتابات السجنيّة ومدّ الباحثين والمهتمّين بهذه النوعيّة من الدراسات، بالمعلومات الغنيّة والثريّة بل في صورة تعدّدها وانتشارها يمكن لها أن تساهم في تغيير الأنظمة السجيّة. لأنّها سوف تخرج من طابعها الشخصي وتصبح عبارة عن شهادات حيّة، ويمكن أن نأخذ كأحسن مثال كتاب رمل الأفعى للدكتور المتوكل طه الذي جمع فيه العديد من الشهادات السجنيّة في إحدى المعتقلات الإسرائيليّة وهو معتل "كتسيعوت".مؤشرات إحصائيّة لارتفاع نسب الإجرام في العالم:لارتفاع نسب الجريمة انعكاسات اجتماعيّة وثقافيّة واقتصاديّة وسياسيّة خطيرة على المجتمعات المحليّة والدوليّة وعلى العلاقات الإنسانيّة بصفة عامة.فقد ورد في العديد من نشريات أكاديميّة نايف العربيّة للعلوم الأمنيّة (والتي تنشر عادة ما يناقش في مجالس وزراء الداخليّة العرب) إضافة لتقارير الأمم المتّحدة ... أرقاما مريعة من شأنها أن تكشف لنا مدى خطورة الظاهرة الإجراميّة. فمثلا: في الولايات المتّحدة الأمريكيّة:- بلغت تكلفة جرائم العصابات 37,2 مليار دولار.- وتكلفة الجرائم الواقعة على الممتلكات والمصالح الاقتصادية 21,3 مليار دولار.- وبلغت تكلفة النفقات على الأجهزة القضائيّة من شرطة وسجون الـ 14,6 مليار دولار.- وتكلفة نفقات الوقاية من الجريمة التي يتحمّلها الأفراد والمؤسسات الـ 6 مليار دولاركما أن مجموع النفقات بلغت الـ 88,6 مليار دولار...وخلال 30 عام أي من 1965 إلى 1995 زاد عدد ضبّاط الشرطة في أوروبا وكندا وأمريكا حوالي 20 في المائة.كما ارتفع عدد المساجين ففي والولايات المتّحدة الأمريكيّة مثلا قفز عدد المساجين من 176 سجين على كل 100 ألف مواطن (1970) إلى أكثر من 600 سجين على كل 100 ألف مواطن (1995) مع التذكير أن المعدّل العالمي يساوي 140 سجين على كل 100 ألف ساكن. كما زادت تكاليف السجون في الولايات المتّحدة الأمريكيّة خلال نفس الفترة بنسبة 1000 في المائة.وعموما يتحمّل الفرد تكاليف الجريمة أوروبا وأمريكا وكندا بمعدّل 200 دولار كل عام للصرف على الشرطة والسجون والمحاكم ويدفع 400 دولار لضحايا الجريمة وكذلك 100 دولار للحراسة الخاصة و25 دولار للممتلكات المفقودة.وتبلغ تكاليف الجريمة أكثر من 5 في المائة من مجمل الناتج المحلّي لهذه الدول (أوروبا وأمريكا وكندا) كما تشير إحصائيات الأمم المتّحدة المعروضة على المؤتمر لسنة 1995 إلى أنّ التجارة العالميّة في المخدّرات والمقدّرة بـ 500 بليون دولار قد فاقت بكثير ما تمثله التجارة العالميّة من النفط سنويّا...كما صدر عن مركز الدراسات والبحوث بالرياض (أكاديميّة نايف العربيّة للعلوم الأمنيّة) سنة 2000 كتابا للعميد علي بن فايز الجحني عنوانه « الإعلام الأمني والوقاية من الجريمة ورد في الصفحة 377 منه ما نصّه "فقد صدر عن مكتب التحقيق الاتحادي الذي جاء فيها أن الولايات المتّحدة لازالت في طليعة البلدان في العالم من حيث ارتكاب جرائم القتل والعنف وجرائم الاعتداء على الممتلكات. والإحصائيات تشير إلى أنّ مجموع الأعمال الإجراميّة التي ترتكب في كل دقيقة قد وصلت إلى أكثر من 26 جريمة. وقد قدّر عدد المجرمين المحترفين الذين أصبحت الجريمة بالنسبة لهم أسلوب حياة أكثر من 500000 والعود بلغ نسبة 75% من المحكوم عليهم... كما أنّ 38% من النساء قد تعرّضن للإيذاء الجنسي قبل سن 18، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 54% في السنوات الأخيرة..." وظائف السجنإنّ الحديث عن السجن كمؤسسة اجتماعيّة يجعلنا نتساءل عن وظائفها والدور الموكول لها، بل وعلاقتها ببقيّة المؤسسات الاجتماعيّة الأخرى و من أبرز و أهم هذه الوظائف هي:الوظيفة الانضباطيّة: نعني بـ"الوظيفة الانضباطية" خلق الشخصيّة المنضبطة والخاضعة للقوانين والتراتيب الإداريّة داخل المؤسسة السجنية ولكن الإشكال الرئيسي الذي تعانيه مثل هذا النوع من المؤسسات هو أنّ مكوّنات المجتمع السجني يتميّزون عن بقيّة أفراد المجتمع بعدم خضوعهم مسبّقا لأهم الضوابط الاجتماعيّة بل سبب دخولهم للفضاء السجني هو عدم التقيّد هذا، حيث يميلون إلى الانفلات من القواعد والقوانين الانضباطية المجتمعية. لذلك يمكن اعتبار عملية سجن المنحرفين هي بالأساس تدريبهم و تعويدهم على الانضباط، و تتجسد نجاعة كل مؤسسة سجنية في تنوع وتعدد القواعد الانضباطية التي على المسجونين إتباعها والخضوع لها، و مقولة الانضباط تعني بالضرورة "التنظيم" و "الإخضاع" و "الإشراف" و "التوجيه" و "الإصلاح"، و كأحسن مثال لهذه الصورة الانضباطية يمكن أن نذكر و لو بإيجاز النظام الذي سطره "لوبون فوشي " " L Fauchi"في إصلاح السجون " De la réforme des prisons " لسجن الأحداث في باريس) 1838) المادة 17: يبدأ نهار السجناء في الساعة السادسة صباحا في الشتاء، وفي الساعة الخامسة في الصيف، و يدوم العمل تسع ساعات في اليوم في كل الفصول... *المادة 18: النهوض، عندما يقرع الطبل لأول مرة، يتوجب على السجناء النهوض و اللبس بصمت في حين يتولى المشرف ) الناظر (فتح أبواب الزنزانات، في القرع الثاني، يتوجب عليهم الوقوف ثم تسوية أسرتهم، في القرع الثالث، يصطفون للذهاب إلى الكنيسة حيث تجرى صلاة الصباح،هناك خمس دقائق بين قرع و قرع.*المادة :19يتولى الصلاة الكاهن... و يجب أن لا تتجاوز هذه العملية النصف ساعة.*المادة :20في الساعة السادسة دون الربع في الصيف و في الساعة السابعة دون الربع في الشتاء ينزل السجناء إلى الباحة حيث يغسلون أيديهم و الوجه، ثم يتلقون التوزيع الأول للخبز و بعد ذلك مباشرة يتوزعون فئات بحسب المشاغل و يذهبون إلى العمل الذي يجب أن يبدأ في الساعة السادسة صيفا و السابعة شتاءا.*المادة :21 الغذاء قي الساعة ال10،يترك السجناء العمل للذهاب إلى المجمع فيغسلون أيديهم، ثم يتوزعون أقساما.* المادة :22المدرسة، في الساعة الـ10 و 40 دقيقة، و عند قرع الطبل، تتشكل الصفوف، و يتم الدخول إلى المدرسة بحسب الأقسام، و يدوم الصف ساعتين.* المادة :23في الساعة الـ12 و40 دقيقة، يترك السجناء المدرسة، بحسب الأقسام، ويذهبون إلى باحاتهم من أجل الفسحة، وفي الساعة 12و 50دقيقة، وعند قرع الطبل، يتوزعون ثانية حسب المشاغل.* المادة :28في الساعة الـ7 و30 دقيقة صيفا، أو الـ 8و30 دقيقة شتاء، يذهب السجناء إلى زنزاناتهم بعد غسل الأيدي و التفتيش في الثياب، الذي يتم في الساحة و عند أول قرع للطبل تخلع الملابس، و عند الثاني يذهب الجميع إلى الفراش، تقفل أبواب الزنزانات و يقوم النظار بدورة تفتيشية في الممرات، للتأكيد من النظام ومن الصمت . إذن تتضح الصفة و الوظيفة الانضباطية للمؤسسة السجنية في عملية التقنين هذه، حيث تختفي الروح الإرادية و التلقائية للسجين، و يصبح كل شيء منظم : النوم ، النهوض ، الفسحة ، الأكل ، الحديث ، العمل...كما يؤكد هذه النقطة " L.Baltard"صاحب كتاب " Architectonographie des prisons" 1829 حين يقول بأن السجن هو "مؤسسة كاملة و صارمة" " فالسجن يجب أن يكون جهازا انضباطيا شاملا، و بعدة معان : يجب أن يتكفل بكل أوجه الفرد و حالاته : تقويمه الجسدي، استعداده للعمل، سلوكه اليومي، موقفه الأخلاقي، كفاءاته، إذ يتطلب السجن أكثر من المدرسة بكثير. و أكثر من المشغل أو الجيش دائما نوعا من التخصص هو "انضباطي كامل شامل" ... و يمارس سلطة شبه كاملة على الموقوفين " وظيفة العزل: السجن كمؤسسة انعزالية : يتعاضد كل من الشكل الهندسي للسجن و القوانين الإدارية من أجل تحقيق عزلة كاملة أو شبه كاملة للمنحرفين داخل السجن أولا، ثم خارجه، و تتخذ العزلة الأشكال التالية :-"أ"- عزل المساجين (المنحرفين ) عن العالم الخارجي. وذلك عبر الأسوار والقوانين والحراسة. -"ب"- عزل المساجين بعضهم عن بعض، عن طريق إحكام تصنيفهم و توزيعهم بين الغرف او الزنزانات أو الأجنحة .-"ج"- عزل المنحرفين عن بقية أفراد المجتمع، و ذلك بعد خروجهم من السجن من خلال الوصم ونظرة المجتمع له. و لكن، أهمية العزل و ملازمتها للعقوبة السجنية ظلت محل نقاش و نزاع بين المهتمين بدراسة السجون و المساجين، و لاسيما علاقته بالإصلاح و إمكانية إعادة تأهيل المنحرفين داخل السجن. و يقول " A . de Tocqueville" عن خطورة عدم عزل المنحرفين داخل السجن :" يوجد في هذه اللحظة فيما بيننا جمعية منظمة من المجرمين... أنهم يشكلون أمة صغيرة داخل الأمة الكبيرة. ان هؤلاء الرجال جميعا، تقريبا قد تعارفوا في السجون حيث تواجدوا. فهذا المجتمع هو الذي يتوجب اليوم تشتيت أعضائه "1)*( . وظيفة المراقبة: السجن كمؤسسة بانوبتية Panoptisme: البانوبتية Panoptisme: هي شكل من أشكال الهندسة البنائية المراقبتية، كما أنها أهم خاصية من خاصيات الهندسة السجنية والمأخوذة من المرتسم الذي اقترحه "بنتام"(3)*، حيث يتميز هذا الشكل الهندسي بوجود برج مرتفع في الوسط وتدور حوله الزنزانات التي تكون مكشوفة بالنسبة للقابع فوق البرج، وبذلك تكون مرئية من قبل الحراس المراقبين...ويساعد هذا الشكل البانوبتي على ترسيخ القدرة على المراقبة والتحكم في جل تصرفات المساجين، بل وأكثر من ذلك يتحول هذا البناء الهندسي من مجرد شكل جامد خارجي إلى رقابة وهاجس داخل ذات كل سجين، يحول بينه وبين ارتكاب المخالفات القانونية سواء كان داخل هذه المؤسسة السجنية أو خارجها.و هكذا تشير مقولة الـ Panoptisme إلى المفاهيم التالية : "المراقبة " و " التحكم " و"الإخضاع"و "السيطرة"...تتعاضد كل هذه المفاهيم و الدلالات من أجل خلق الإنسان المنضبط و الخاضع إراديا و لا إراديا للقواعد القانونية و أبرز نتائجها المباشرة هي استعادة السلط الحاكمة لثقتها بذاتها و هيبتها التي سلبت منها من جراء ممارسات المنحرفين للسلوكيات الانحرافية الإجرامية و ذلك عن طريق هذا الشكل الهندسي الذي أحكم صياغته و هندسته الشيء الذي جعله أكثر الأشكال الهندسية امتدادا وانتشارا في العالم . ) مع وجوب ملاحظة أنه نفس الشكل الهندسي للسجن المدني بتونس -9 أفريل-... و يقول "Ch. Lucas "في كتابه "De la Réforme des prisons " 1838 في السجن تستطيع الحكومة أن تتحكم بحرية الشخص وبوقت المعتقل، انطلاقا من هذا يمكن تصور سلطة التربية التي يمكنها ليس فقط في يوم، بل في تتالي الأيام بل السنين، أن تنظم للإنسان وقت يقظته و وقت منامه، و وقت نشاطه وراحته، عدد و مدة وجباته، نوعية و مقدار أطعمته، طبيعة و نتاج العمل، وقت الصلاة، استعماله للكلام و بالتالي حتى استعمال فكره ... بكلمة واحدة، تمتلك الإنسان بأكمله. الأنظمة السجنيّة وفكرة إصلاح السجون:تطوّر الأنظمة العقابيّة:رغم الوجود المتواصل والمتلازم بين المجتمعات البشريّة والجريمة إلاّ أنّ العقوبات والجزاءات اختلفت من عصر إلى آخر. حيث كانت الجزاءات الجنائيّة تنحصر في العقوبات البدنيّة كالضرب المبرح والبتر والإعدام والتشويه... فجسم المتّهم هو المستهدف الأساسي من هذه العقوبات، أمّا السجون فكان عبارة عن مكان يحجز فيه المتّهم الذي ينتظر المحاكمة (إثبات الإدانة أو البراءة). وبالتالي لم تمثل السجون موضوع بحث أو اهتمام لدى المشرّعين والمنظرين.ومع أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر بدأت بعض الدول تجعل من السجن عقوبة في حد ذاتها وأصبحت حريّة المتّهم هي المستهدفة من هذا العقاب إضافة طبعا للجسد. مع المحافظة على طابع الانتقام والتشفّي من السجين لأنّه ينظر إليه فلا يمكن أن نتحدّث عن عقوبة سالبة للحريّة دون وجود الألم والتعذيب ومن بين النظريات السائدة حين ذاك تلك التي تربط الإجرام باللذة ولتحقيق العدل لا بد من أن يقابل السلوك الانحرافي بعقوبة الألم... ومع بروز العقوبة السالبة للحريّة بدأ علم العقاب يتبلور شيئا فشيئا. ثم تطوّرت أغراض العقوبات السالبة للحريّة حيث استبدل التنكيل والتشفّي والتعذيب بفكرة الأغراض الإصلاحيّة والتأهيليّة. وبالتالي لم يعد الفعل الانحرافي هو موضع التفكير بل المنحرف نفسه. وهناك 4 عوامل ساهمت بشكل مباشر في تطوير هذه الرؤية:أوّلا، نظرة الكنيسة الكاثوليكيّة للظاهرة الإجراميّة، فالمجرم من منظور كنيسي (كاثوليكي) هو شخص عادي كغيره من أفراد المجتمع ولكنّه مذنب من خلال سلوكه الإجرامي المنافي للتعاليم الدينيّة تجب عليه التوبة وهذه التوبة تتطلب عزله عن المجتمع حتّى يتسنّى له مناجاة ربّه وحتّى تتقبل توبته. لذلك على المجتمع وعلى الدولة توفير المناخ المناسب لتوبته ومساعدته. ومن هنا نشأت فكرة السجن الانفرادي، أو النظام السجني الانفرادي.ثانيا، انتشار الأفكار الديمقراطيّة وبروز العديد من المفكّرين والمنظرين في هذا الغرض وخاصة تلك الأفكار الداعيّة للمساواة والمواطنة...ثالثا، التقدّم الذي عرفته العلوم الإنسانيّة والاجتماعية مثل علم الإجرام علم العقاب دراسة عوامل الإجرام... رابعا، بروز المنظمات الإنسانيّة المهتمّة بالشؤون السجنيّة والتي لعبت دورا أساسيّا في فتح الملف السجني وكشف العديد من الممارسات السجنيّة المتنافيّة مع ما مبادئ حقوق الإنسان والتي اتخذت طابعا إلزامي تجاه الدول خاصة تلك التي وقعت و صادقت عليها.إذن فكرة إصلاح السجون كادت تكون معاصرة لولادة السجن كمؤسسة عقابيّة لا كمكان يوضع فيه المتّهمين. ومن بين الأفكار الإصلاحيّة للمؤسسة السجنيّة يمكن أن نذكر:* تحقيق"Chaptal" منذ1801، والهادف إلى تحديد الوسائل المستخدمة من أجل ترسيخ الجهاز السجني في فرنسا.*تحقيق 1829"Decazes" وفي نفس السنة صدر التقرير حول البيوت المركزية الذي وضعه"Martignac".* في سنة1818، بدأت تتكون بصورة رسمية بعض الجمعيات المنادية بإصلاح السجون كـ"جمعية تحسين السجونSociété pour l'amélioration des prisons ". ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن انتقاد السجن و طرق معاملة السجناء و نجاعته في الحد من ظاهرة الانحراف و... ظهرت في فترة مبكرة جدا، و العديد من التعابير التي تكرر اليوم و بذات الصيغة تقريبا لاحظناها في فترة 1810و 1845 مثل :"السجون لم تخفض معدل الجرائم"، "الاعتقال يستثير التكرار" ، "السجن هو المكان المناسب لصنع الجانحين" ، "المعتقلون هم أقل جوعا و أقل بردا و حرمانا من العديد من المناطق الشعبية..." الأنظمة السجنيّة:عرفت المؤسسات العقابيّة العديد من الأنظمة السجنيّة المتعاقبة والمعبّرة عن التطوّرات التي نادى بها بعض المفكّرين والمهتمّين بالشؤون العقابيّة بصفة عامة بحيث أصبحت علاقة النزلاء بالعالم الخارجي وعلاقتهم مع بعضهم البعض الأساس المحدّد لنوع وشكل التنظيم السجني. وعموما نلاحظ وجود على الأقل 6 أنظمة سجنيّة منها ما اندثر ومنها وقع تعديله ومنها ما يطبّق اليوم وهذه الأنظمة هيّ:النظام الجمعي:يعتبر النظام الجمعي من أقدم الأنظمة السجنيّة التي عرفتها البشريّة، ويتميّز بالاختلاط بين المساجين ليلا ونهارا ويسمح لهم بهذا الاختلاط في جميع أعمالهم اليوميّة كالأكل والنوم والتحادث... ومن أهم مزاياه على السلطة هو عدم تكلفته وعلى المساجين يحفظ لهم توازنهم النفسي والمادي باعتبارهم أقرب الأنظمة إلى طبيعة الإنسان وأشبهها بالحياة الاجتماعيّة خارج أسوار السجن. كما تقترب كثيرا من المبادئ الواردة في "القواعد النموذجيّة الدنيا لمعاملة السجناء". ولكن في المقابل جعل هذا النظام السجني من المؤسسة السجنيّة مدرسة لصناعة الجريمة وتكوين المجرمين والمحترفين، وتمكّن السجناء فيه من خلق أشكال تنظيميّة أخرى معاديّة للنظام الإداري وللقائمين على شؤون السجن.النظام الفردي أو النظام البنسلفاني أو الفيلاديلفي:يرجع تاريخ هذا النوع من النظام السجني إلى نظام السجون الكنيسيّة التي ترى في السجن المكان المناسب لتحقيق التوبة وبالتالي الإصلاح،بحيث في السجن البنسلفاني يعتبر العامل الوحيد في الإصلاح هو الضمير. لذلك يتميّز هذا النظام بالعزل التام بين المسجونين ليلا ونهارا وتكون عدد الزنزانات متجانسا مع عدد المسجونين. ففي القرن السادس عشر انتقلت فكرة "السجن الانفرادي" من السجون الكنسيّة إلى السجون المدنيّة فمثلا في هولندا طبّق هذا النظام في أمستردام في نهاية القرن السابع عشر وفي إيطاليا في سجن سان ميشيل في روما ثم بني سجن في ميلانو سنة 1759 على نفس الشكل التنظيمي.أمّا عن تسميته بالنظام الفيلاديلفي أو البنسلفاني فيرجع ذلك إلى سجن كان موجود في فيلادلفيا التابع إلى ولاية بنسلفانيا بالولايات المتّحدة الأمريكيّة والذي أنشأ سنة 1790 والذي كان يتّبع النظام الجمعي عند إنشاءه ولكن بعد فشله في السيطرة على المساجين وفرض النظام السجني عليه وقع اعتماد نظام العزلة. وفي سنة 1826 انشأ سجن آخر على نفس النمط في بنسلفانيا الشرقي ثم تلاه إنشاء السجن الغربي في بنسلفانيا أيضا سنة 1829 بمدينة فلادلفيا ومثّل هذا السجن أحسن نموذجا لنظام السجن الفردي رغم ضخامته وعدد النزلاء به.نظام أوبون Auburn" :يرتكز هذا النظام على فرض الزنزانات الفردية خلال الليل و العمل و الطعام الجماعي خلال النهار، و من مزايا النظام الأوبيروني حسب وجهة نظر أنصاره، أنه تكرار للمجتمع بالذات، حيث تتكاثف وسائل المراقبة و المتابعة التي تفترض المحافظة على الخشوع بواسطة قاعدة الصمت، و هكذا يصبح المساجين ينظرون إلى القانون بكل وسائله المسخرة للمراقبة و كأنه حكمة مقدسة تؤدي مخالفتها إلى انتقام عادل شرعي.و تتجسد المراقبة في هذا النظام في النقاط التالية :- المراقبة و المتابعة الفردية خلال الليل عن طريق الأعوان و الإداريين و عيونهم المنتشرة.- المراقبة خلال النهار و التي تتخذ الشكل الجماعي، و تمتد من الباحة إلى المشغل إلى المطعم..- المراقبة الداخلية عن طريق قاعدة الصمت، الذي يقوي لدى كل فرد هاجس المراقبة والمحاسبة ...كما أن النظامين الأمريكيين السابق ذكرهما: "نظام اوبورنAuburn " و" نظام فيلادلفيا Filadelfia"،يركزان فعلا على عزل المسجونين ماديا و معنويا، ليلا و نهارا، حيث تكون العزلة هي الشرط الأول للطاعة الكاملة . و أثارت قضية العزلة العديد من النزاعات و الاختلافات بين المختصين و من منطلقات متباينة، فمن الناحية الطبية و النفسية أفرزت النزاعات بروز الأشكال التالية : هل العزلة الكاملة تؤدي إلى الإصلاح أم إلى الجنون؟، ومن الناحية الدينية والأخلاقية طرح التساؤل التالي: هل العزلة والقطيعة تولد الإصلاح والاهتداء إلى طريق الصواب أم الانتكاس والنقمة على المجتمع وقواعده القانونية؟ أما من الناحية الاقتصادية فقد أثيرت إشكالية التكلفة "أين هي الكلفة الأقل؟ في عزل المساجين أم في تجميعهم؟"النظام التدريجي:إذا كان سلب الحريّة في النظامين السابقين هدف في حدّ ذاته فإنّ الأمر يختلف في النظام التدريجي الذي يجعل من سلب الحريّة وسيلة من أجل التدرج بالسجين نحو الإصلاح والحياة الطبيعيّة. حيث يقع تقسيم مدّة العقوبة إلى مراحل وفق برنامج إصلاحي ويبدأ السجين بالسجن الانفرادي أين تقع دراسته ودراسة قابليّة تأقلمه مع النظام السجني ودرجة انضباطه ثم على ضوء نتائج الدراسة التي تتواصل طيلة فترة السجن يقع تحديد المرحلة المواليّة والتي تسير في اتجاه الحريّة الكاملة.ويعتبر سجن نورفولك Norfolk بجزيرة نورفورك بالقرب من استراليا هو أوّل مؤسسة سجنيّة تطبّق هذا النظام وأوّل من طبقه هو "إلكسندر ماكونوشي" وذلك سنة 1840 . ولكنّ "الميجور والتر كروفتون" تمكّن بعد ذلك من تطبيقه بنجاح في إيرلندا الشيء الذي جعل تسميّة النظام بالنظام الإيرلندي ثم انتشر تطبيقه في العديد من الدول ومهّد لبروز أنظمة سجنيّة أكثر تقدّما.النظام القائم على الثقة:هو عبارة عن امتداد للنظام السابق أي النظام التدريجي الذي يقوم أساسا على نتائج دراسة السجناء ودرجة انضباطهم. وهذا النوع من النظام لا يطبّق على كل المساجين وكل الفئات بل يقتصر على الفئة التي تكون محل ثقة ولا يخشى من هروبها من السجن. ونلاحظ وجود ثلاثة أنواع من الأنظمة القائمة على الثقة:أوّلا، نظام العمل خارج السجن: أوّل بلد طبّقت هذا النظام هي فرنسا وذلك سنة 1824 وتحديدا في السجن المركزي لفونتيل حيث سمح لفئة من المساجين بالعمل في الهواء الطلق. ثم طبّق في سجون أخرى ولكن نظرا لتكلفته (يتطلب عدد كبير من موظفي الإدارة السجنيّة التي تقوم بمراقبتهم) وعدم نجاعته في إصلاح المساجين صدر سنة 1864 في فرنسا قرارا بإلغائه.ثانيا، نظام شبه الحريّة: طبّق أيضا في فرنسا أثناء الحرب العالميّة الثانيّة ثم وقع إقراره في قانون الإجراءات الجنائيّة الفرنسي الصادر عام 1958 ثم انتشر في العديد من الدول. ويتميّز هذا النظام عن سابقه بالتقليل من الحراسة وبالتالي من موظفي السجن، بحيث يمارس السجين نشاطه المهني أو التعليمي خارج السجن بكل حريّة ثم يعود في آخر النهار إلى السجن.ثالثا، النظام المفتوح: هو نظام يتمتّع فيه السجناء بأكثر حريّة ولا يقيمون في سجون مغلقة ولا تحاط بهم الأسوار وإنّما يوضعون في معسكرات أو مزارع كبرى يمارسون عملهم بكل حريّة وكأنّهم يعيشون في الحياة الطبيعيّة. وأوّل من طبّق هذا النظام هو "كلرهالس" في عام 1891 حين أنشأ مستعمرة زراعيّة في فيتزفل بسويسرا يديرها مجموعة من المحكوم عليهم. ثم انتقلت الفكرة إلى العديد من الدول الغربيّة كإيطاليا وانجلترا والولايات المتّحدة الأمريكيّة... وقد أفرزت هذه الاختلافات والنزاعات، العديد من النتائج والتساؤل حول مدى نجاعة هذه المؤسسة السجنية، خاصة وأنها من أقدم المؤسسات الإجتماعية التي عرفتها الإنسانية، إذ تاريخها تزامن مع وجود المجتمع ذاته. فمثلا، عزل المساجين عن بقية أفراد المجتمع نتج عنه ظهور نظرية الوصم أو ردود الفعل الاجتماعية لـ Frank Tannenbaum)1938( ثم بعد ذلكEduin M.Lemert ... كما أن عملية عزل المنحرفين وتجميعهم في مؤسسة انضباطية جعل "ميشال فوكو" يقول بأن السجن ظل أداة إنتاج للجريمة والانحراف كمؤسسة عملية، فالمنحرف العابر يتخرج من السجن خبيرا بارتكاب الجرائم الموصوفة قانونيا،السجون الخاصةبعد مرور المؤسسة السجنيّة بمختلف الأشكال التنظيميّة التي سبق وأن تحدّثنا عنها، جاءت فكرة الخوصصة لتحلّ محل الدولة في إدارة وتسيير هذه المؤسسة وبدأ أصحاب رؤوس الأموال يفكّرون في استثمار أموالهم في سوق السجون وذلك لما فيها من مكاسب وأرباح، بل أصبحت هناك شركات مختصة في هذا المجال. وعبر السجون الخاصة وقعت نقلة نوعيّة في موقع السجين أو الموقف تجاهه، فبعد أن كان السجين شخصا منبوذا تتحمّل الدولة والمجتمع أعباءه بداية من نتائج أعماله الإجراميّة المكلّفة وصول إلى تكلفة تنفيذ العقوبة عليه أصبح في نظام السجون الخاصة شخصا مرغوبا فيه ومصدر ربح لأصحاب رؤوس الأموال الذين عرفوا كيف يجنون ثمار الفساد والانحراف الاجتماعي... ومن بين أشهر الشركات المتنافسة في سوق السجون في فرنسا نذكر شركة "ايفاج" والتي كانت تحمل اسم فوجيرول" وشركة "بويغ". بل هناك شركات عالميّة وشركات متعدّدة الجنسيات تعنى باستثمار أموالها في السجون الخاصة مثل شركة "واكنهوت" (الشركة العالميّة الأولى لإدارة السجون الخاصة) والتي لها حضور كبير في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.كيف نشأت فكرة السجون الخاصة؟؟؟نشأت فكرة إحداث سجون خاصة على إثر التطّور الذي عرفته المؤسسة السجنيّة وفشل الأنظمة السجنيّة التي لم تفلح في الدور الموكول إليها أو بلغة أخرى بعد فشل الدولة في الاضطلاع بالمهام المناط على عهدتها -وهذا طبعا محل نقاش- وأيضا نشأت فكرة السجون الخاصة بعد أن أصبح عمل السجين جزء من العمليّة الإصلاحيّة والتأهيليّة. العمل السجني : في المرحلة الأولى، كان العمل في حدّ ذاته عقوبة كاملة.ففي القرن السادس عشر كان العمل داخل السجون عبارة عن عقوبة خاصة للمتشرّدين والكسالى والمتسوّلين الذين يوضعون في السجون ويجبرون على العمل وكانت تسمّى سجون عمل Prisons de travail وفي المرحلة الثانيّة، أصبح السجن عقوبة رئيسيّة والعمل العقابي عقوبة تكميليّة تضاف لعقوبة سلب الحريّة. لذلك اتصفت نوعيّة الأعمال العقابيّة بالقسوة والشدّة التي تتناسب ونوع الجرم الذي ارتكبه السجين مثل الأشغال الشاقة... وفي المرحلة الثالثة، اعتبر العمل جزء جوهري وأساسي في إصلاح السجين بل إحدى الحقوق الأساسيّة للمساجين والتي نادت بها المؤتمرات الدوليّة لحقوق الإنسان فمؤتمر بروكسال 1947 قال بضرورة العمل داخل السجون. وفي مؤتمر لا هاي 1950 ومؤتمر جنيف 1955 أكّا نفس الشيء بل اعتبروا العمل وسيلة للتأهيل والتهذيب والإصلاح.الشكل التنظيمي لعمل السجين ومسألة قيمة عمل السجين:رغم أهميّة العمل السجني ودوره في إصلاح المساجين وتأهيلهم، ورغم اتفاقه مع المبادئ الحقوقيّة العالميّة إلاّ أن مع بداية تطبيقها طرحت العديد من الإشكاليات القانونيّة والتنظيميّة خاصة عندما طرحت مسألة جني ثمار عمل السجين ومسألة المقابل الذي يتحصّل عليه هذا الأخير نتيجة لعمله. فمن جهة لا يمكن حرمان السجين من المقابل المادي بعد عمل ثمان ساعات أو أكثر، ومن جهة ثانيّة، برز على الساحة السجنيّة الهدف الاقتصادي للعمل خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار انخفاض تكلفة انتاج العمل السجني نتيجة انخفاض الأجور. ولعلّ هذا ما شجع على ظهور السجون الخاصة التي يديرها أصحاب رؤوس الأموال ضمن مشاريعهم الاقتصاديّة الربحيّة. كما لاحظت بعض الدول مع بداية تطبيق العمل السجني خطورة على العمل خارج السجن ومنافستها لها فمثلا فرنسا أثناء الأزمة الاقتصاديّة لسنة 1948 قرّرت إلغاء العمل داخل السجون وذلك في 14 مارس 1948 ولكن تراجعت عنه بعد حوالي سنة واحدة. وعموما هناك ثلاثة أصناف من التنظيم القانوني للعمل السجني لهما علاقة مباشرة ببروز فكرة السجون الخاصة وهي:أوّلا، نظام المقاولة: ظهر نظام المقاولة بشكل واسع في بداية القرن الـ19 ولكنّه اختفى واتخذ صور أخرى. وكما تدل تسميته هو عبارة عن اتفاق أو عقد عمل أو إجارة بين إدارة السجن وأحد المقاولين من القطاع الخاص حيث تتعهد إدارة السجن بتوفير اليد العاملة (المساجين) مقابل تشغيلهم وجني ثمار عملهم وتوفير كل مستلزمات عملهم وحياتهم المعيشيّة اليوميّة كالأكل واللباس والإقامة. بحيث يختفي دور الإدارة السجنيّة بصفة كليّة. وبالتالي لا يمكن الحديث لا عن إصلاح ولا عن تأهيل... لأنّ ما يهم المشرف عليهم (المقاول) هو الربح.ثانيا، نظام الاستغلال المباشر: على النقيض من النظام السابق تحتل الإدارة العقابيّة في نظام الاستغلال المباشر مكانة متميّزة في الإشراف على المساجين فهي التي تقرّر نوع العمل وتوفر المواد الأوّليّة وتشرف عليهم فنيّا وإداريّا، كما تتولّى التوزيع والتسويق. في المقابل عليها توفير كل مستلزمات السجين. وهنا أصبحت الإدارة السجنيّة تتحدث عن اكتفاء ذاتي وعن الربح الناتج من عمل السجين.ثالثا، نظام التوريد: نظام التوريد هو عبارة عن نظام وسط بين النظامين السابقين إذ لا تتولّى الإدارة كليّا عمليّة تشغيل ورعاية المساجين كما هو الحال في نظام الاستغلال المباشر كما لا تتخلّى كليّا عن مسؤوليتها كما هو الحال في نظام المقاولة. بحيث تتعاقد إدارة السجن مع أحد رجال الأعمال الذي يلتزم بتوفير الآلات وكل مستلزمات العمل وله حق الحصول على ثمرة عمل المساجين مقابل أن يدفع مبلغا من المال لإدارة السجن مع تنازله على الإشراف على المساجين لصالح الإدارة. فصاحب رأس المال لا سلطة له سوى على استغلال "عملهم".وفي الفترة الأخيرة 30 جويليّة 2004 أعلن السيد وزير العدل الفرنسي "دومينيك بيربان" عن مناقصة فتحت شهيّة الشركات الخاصة تتضمن مشروع بناء 30 سجنا خاصا يستقطب 13200 مكان من يوم بداية المشروع إلى نهاية العام 2007 وبموازنة تبلغ 4,1 مليار يورو. وما يعطي لهذا السوق الجديد في الميدان الاقتصادي أهميّة ومنافسة بين الشركات هو ارتفاع نسب الإجرام وارتفاع عدد المساجين (في الولايات المتّحدة الأمريكيّة مثلا يوجد واحد على كل 143 شخص وراء قضبان السجن) وخاصة انتشار ظاهرة العود أي فئات المساجين الذين تعوّدوا على الحياة السجنيّة وتمكّنوا من قلب مفهوم السجن بحيث صار المجتمع السجني يجسّد فضاء الحريّة بالنسبة لهم بينما المجتمع الخارجي أصبح عبارة عن سجن تكبت فيه حرياته وتقمع فيه رغباتهم. هاته الفئة تمثل أهم رأسمال الشركات الاستثماريّة.ففي 9 و10 أكتوبر 2004 نظم مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان HRITC بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتّحدة عبر مشروع دعم القدرات الوطنيّة في مجال حقوق الإنسان باليمن ووزارة حقوق الإنسان ومفوّضيّة الأمم المتّحدة الساميّة لحقوق الإنسان ندوة وطنيّة متعلّقة بحقوق الإنسان والتي انتهى عملها بصياغة توصيات ختاميّة أهم ما تضمّنته هو "إلغاء كافة السجون الخاصة وإطلاق كافة المحتجزين بها ... بدون أمر قضائي".
( تصنيفات: )
|
rSDSmOuMQxiPAvIo
dBNJcWSZNg
people